|
سبعون مسألة في الصيام
الحمد لله نحمده ونستعينه
ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله
فلا مضلّ له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده
لاشريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أما بعد :
فإن الله قد امتن على
عباده بمواسم الخيرات ، فيها تضاعف الحسنات ، وتُمحى السيئات ، وتُرفع
الدرجات ، تتوجه فيها نفوس المؤمنين إلى مولاها ، فقد أفلح من زكاها
وقد خاب من دساها . وإنما خلق الله الخلق لعبادته فقال : ( وما خلقت
الجن والإنس إلا ليعبدون ) ، ومن أعظم العبادات الصيام الذي فرضه الله
على العباد، فقال : ( كتب عليكم الصيام كما كُتب على الذين من قبلكم
لعلكم تتقون ) ، ورغبهم فيه فقال : ( وأن تصوموا خير لكم إن كنتم
تعلمون ) ، وأرشدهم إلى شكره على فرضه بقوله : (
ولتكبروا الله على ما
هداكم ولعلكم تشكرون ) ، وحببّه إليهم وخفّفه عليهم لئلا تستثقل النفوس
ترك العادات وهجر المألوفات ، فقال عزّ وجلّ: ( أياما معدودات ) ،
ورحمهم ونأى بهم عن الحرج والضرر ، فقال سبحانه : ( فمن كان منكم مريضا
أو على سفر فعدة من أيام أخر ) ، فلا عجب أن تُقبل قلوب المؤمنين في
هذا الشهر على ربهم الرحيم يخافونه من فوقهم ويرجون ثوابه والفوز
العظيم .
ولما كان قدر هذه العبادة
عظيما كان لابدّ من تعلّم الأحكام المتعلقة بشهر الصيام ليعرف المسلم
ما هو واجب فيفعله ، وما هو حرام فيجتنبه ، وما هو مباح فلا يضيّق على
نفسه بالامتناع عنه .
وهذه الرسالة تتضمن
خلاصات في أحكام الصيام وآدابه وسننه كتبتها باختصار عسى الله أن
ينفعني بها وإخواني المسلمين والحمد لله رب العالمين
تعريف الصيام
1- الصوم لغة : الإمساك ،
وشرعا الإمساك عن المفطّرات من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس
بالنية .
حكم الصيام
2- أجمعت الأمة على أن
صوم شهر رمضان فرض ، والدليل من الكتاب قول الله تعالى : (
يا أيها
الذين آمنوا كُتِب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم
تتقون ) ، و من السنة قول الرسول صلى الله عليه وسلم : بُني الإسلام
على خمس : وذكر منها صوم رمضان رواه البخاري فتح 1/49
ومن أفطر شيئا من رمضان بغير عذر فقد أتى كبيرة عظيمة ، قال النبي صلى
الله عليه وسلم في الرؤيا التي رآها : " حتى إذا كنت في سواء الجبل إذا
بأصوات شديدة ، قلت : ما هذه الأصوات ؟ قالوا : هذا عواء أهل النار ،
ثم انطلق بي ، فإذا أنا بقوم معلقين بعراقيبهم ، مشققة أشداقهم ، تسيل
أشداقهم دما ، قال : قلت : من هؤلاء ؟ قال : الذين يُفطرون قبل تحلّة
صومهم " أي قبل وقت الإفطار
صحيح الترغيب 1/420.
قال الحافظ الذهبي رحمه الله تعالى : وعند المؤمنين مقرر أن من ترك صوم
رمضان من غير عذر أنه شرّ من الزاني ومدمن الخمر ، بل يشكّون في إسلامه
، ويظنّون به الزندقة والانحلال . وقال شيخ الإسلام رحمه الله : إذا
أفطر في رمضان مستحلا لذلك وهو عالم بتحريمه استحلالا له وجب قتله ،
وإن كان فاسقا عوقب عن فطره في رمضان .
مجموع الفتاوى 25/265
فضل
الصيام
3- فضل الصيام عظيم ومما
ورد في ذلك من الأحاديث الصحيحة : أن الصيام قد اختصه الله لنفسه وأنه
يجزي به فيضاعف أجر صاحبه بلا حساب لحديث : "
إلا الصيام فإنه لي وأنا
أجزي به " البخاري فتح رقم 1904 صحيح الترغيب 1/407
، وأن الصوم لا عِدل له النسائي
4/165 وهو في صحيح الترغيب 1/413
، وأن دعوة الصائم لا تُردّ
رواه البيهقي 3/345 وهو في السلسلة الصحيحة 1797
، وأن للصائم فرحتين إذا أفطر فرح بفطره وإذا لقي ربّه فرح بصومه
رواه مسلم 2/807 ، وأن
الصيام يشفع " للعبد يوم القيامة يقول : أي ربّ منعته الطعام والشهوات
بالنهار فشفعني فيه " رواه أحمد
2/174 وحسّن الهيثمي إسناده : المجمع 3/181 وهو في صحيح الترغيب 1/411
، وأن " خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك "
مسلم 2/807 ، وأن "
الصوم جُنّة وحصن حصين من النار "
رواه أحمد 2/402 وهو في صحيح الترغيب 1/411 وصحيح الجامع 3880
، وأنّ " من صام يوما في سبيل الله باعد الله بذلك اليوم وجهه عن النار
سبعين خريفا " رواه مسلم 2/808
، وأنّ " من صام يوما ابتغاء وجه الله خُتم
له به دخل الجنّة
" رواه أحمد 5/391 وهو في صحيح الترغيب 1/412
. وأنّ في الجنة بابا " يُقال له الريان يدخل منه الصائمون لا يدخل منه
أحد غيرهم فإذا دخلوا أُغلق فلم يدخل منه أحد " البخاري
فتح رقم 1797 .
وأما رمضان فإنه ركن
الإسلام وقد أُنزل فيه القرآن ، وفيه ليلة خير من ألف شهر ، و "
إِذَا
دَخَلَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ وَغُلِّقَتْ
أَبْوَابُ جَهَنَّمَ وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ " رواه البخاري الفتح
رقم 3277 ، وصيامه يعدل صيام عشرة أشهر أنظر مسند أحمد 5/280 وصحيح
الترغيب 1/421 ، و "
من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه "
رواه البخاري فتح رقم 37
، و "لله عزّ وجلّ عند كلّ فطر عتقاء "
رواه أحمد 5/256 وهو في صحيح الترغيب 1/419
.
من فوائد الصيام
4- في الصيام حكم وفوائد
كثيرة مدارها على التقوى التي ذكرها الله عز وجل في قوله : "
لعلكم
تتقون " ، وبيان ذلك : أن النفس إذا امتنعت عن الحلال طمعا في مرضاة
الله تعالى وخوفا من عقابه فأولى أن تنقاد للامتناع عن الحرام .
وأن الإنسان إذا جاع بطنه
اندفع جوع كثير من حواسه ، فإذا شبع بطنه جاع لسانه وعينه ويده وفرجه ،
فالصيام يؤدي إلى قهر الشيطان وكسر الشهوة وحفظ الجوارح .
وأن الصائم إذا ذاق ألم
الجوع أحس بحال الفقراء فرحمهم وأعطاهم ما يسدّ جوعتهم ، إذ ليس الخبر
كالمعاينة ، ولا يعلم الراكب مشقة الراجل إلا إذا ترجّل .
وأن الصيام يربي الإرادة
على اجتناب الهوى والبعد عن المعاصي ، إذ فيه قهر للطبع وفطم للنفس عن
مألوفاتها . وفيه كذلك اعتياد النظام ودقة المواعيد مما يعالج فوضى
الكثيرين لو عقلوا .
وفي الصيام إعلان لمبدأ
وحدة المسلمين ، فتصوم الأمة وتُفطر في شهر واحد .
وفيه فرصة عظيمة للدعاة
إلى الله سبحانه فهذه أفئدة الناس تهوي إلى المساجد ومنهم من يدخله
لأول مرة ومنهم من لم يدخله منذ زمن بعيد وهم في حال رقّة نادرة ، فلا
بدّ من انتهاز الفرصة بالمواعظ المرقِّقة والدروس المناسبة والكلمات
النافعة مع التعاون على البرّ والتقوى . وعلى الداعية أن لا ينشغل
بالآخرين كليّا وينسى نفسه فيكون كالفتيلة تضيء للناس وتُحرق نفسها .
5- آداب الصيام وسننه
ومنها ما هو واجب ومنها
ما هو مستحب ، فمن ذلك :
الحرص على السحور وتأخيره
، قال النبي صلى الله عليه وسلم : " تسحروا فإن في السحور بركة
" رواه
البخاري فتح 4/139 ،
فهو الغداء المبارك ، وفيه مخالفة لأهل الكتاب ، و " نِعمَ سحور المؤمن
التمر " رواه أبو داود رقم 2345
وهو في صحيح الترغيب 1/448
تعجيل الفطر لقوله صلى
الله عليه وسلم : " لا يزال الناس بخير ما عجّلوا الفطر رواه البخاري
فتح 4/198 ، وأن يفطر
على ما ورد في حديث أنس رضي الله عنه قال : "
كان النبي صلى الله عليه
وسلم يُفطر قبل أن يصلي على رطبات ، فإن لم تكن رطبات فتميرات ، فإن لم
تكن تميرات حسا حسوات من ماء ."
رواه الترمذي 3/79 وغيره وقال حديث حسن غريب وصححه في الإرواء برقم 922
، ويقول بعد إفطاره ما جاء في حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي
صلى الله عليه وسلم كان إذا أفطر قال : ذهب الظمأ ، وابتلت العروق ،
وثبت الأجر إن شاء الله " رواه
أبو داود 2/765 وحسن الدار قطني إسناده 2/185
البعد عن الرفث لقوله صلى الله عليه وسلم " .. إذا كان يوم صوم أحدكم
فلا يرفُث .. " رواه البخاري
الفتح رقم 1904 والرفث
هو الوقوع في المعاصي ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : " من لم يدع
قول الزور والعمل به ، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه . "
البخاري الفتح رقم 1903
، وينبغي أن يجتنب الصائم جميع المحرمات كالغيبة والفحش والكذب ، فربما
ذهبت بأجر صيامه كله ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : " رُبّ صائم
ليس له من صيامه إلا الجوع . "
رواه ابن ماجه 1/539 وهو في صحيح الترغيب 1/453
ومما أذهب الحسنات وجلب
السيئات الانشغال بالفوازير والمسلسلات ، والأفلام والمباريات ،
والجلسات الفارغات ، والتسكع في الطرقات ، مع الأشرار ومضيعي الأوقات ،
وكثرة اللهو بالسيارات ، وازدحام الأرصفة والطرقات ، حتى صار شهر
التهجد والذكر والعبادة ـ عند كثير من الناس ـ شهر نوم بالنهار لئلا
يحصل الإحساس بالجوع ، ويضيع من جرّاء ذلك ما يضيع من الصلوات ، ويفوت
ما يفوت من الجماعات ، ثم لهو بالليل وانغماس في الشهوات ، وبعضهم
يستقبل الشهر بالضجر لما سيفوته من الملذات ، وبعضهم يسافر في رمضان
إلى بلاد الكفار للتمتع بالإجازات !! وحتى المساجد لم تخل من المنكرات
من خروج النساء متبرجات متعطرات ، وحتى بيت الله الحرام لم يسلم من
كثير من هذه الآفات ، وبعضهم يجعل الشهر موسما للتسول وهو غير محتاج ،
وبعضهم يلهو فيه بما يضرّ كالألعاب النارية والمفرقعات ، وبعضهم ينشغل
بالصفق في الأسواق والتطواف على المحلات ، وبعضهن بالخياطة وتتبع
الموضات ، وتنزل البضائع الجديدة والأزياء الحديثة في العشر الأواخر
الفاضلات لتشغل الناس عن تحصيل الأجور والحسنات .
* أن لا يصخب ، لقوله صلى
الله عليه وسلم : " وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل إني صائم ، إني صائم
" رواه البخاري وغيره الفتح رقم 1894
، فواحدة تذكيرا لنفسه ، والأخرى تذكيرا لخصمه . والناظر في أخلاق عدد
من الصائمين يجد خلاف هذا الخُلق الكريم فيجب ضبط النفس ، وكذلك
استعمال السكينة وهذا ما ترى عكسه في سرعات السائقين الجنونية عند أذان
المغرب.
* عدم الإكثار من الطعام
، لحديث " ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطنٍ .. " رواه الترمذي رقم 2380
وقال هذا حديث حسن صحيح
، والعاقل إنما يريد أن يأكل ليحيا لا أن يحيا ليأكل ، وإن خير المطاعم
ما استخدمت وشرها ما خُدمت . وقد انغمس الناس في صنع أنواع الطعام ،
وتفننوا في الأطباق حتى ذهب ذلك بوقت ربات البيوت والخادمات ، وأشغلهن
عن العبادة ، وصار ما ينفق من الأموال في ثمن الأطعمة أضعاف ما يُنفق
في العادة ، وأصبح الشهر شهر التخمة والسمنة وأمراض المعدة . يأكلون
أكل المنهومين ، ويشربون شرب الهيم ، فإذا قاموا إلى صلاة التراويح
قاموا كسالى ، وبعضهم يخرج بعد أول ركعتين .
* الجود بالعلم والمال
والجاه والبدن والخُلُق ، وفي الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما قال
: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس { بالخير } ، وكان
أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان
فيدارسه القرآن ، فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح
المرسلة " . رواه البخاري الفتح رقم 6
فكيف بأناس استبدلوا الجود بالبخل والنشاط في الطاعات بالكسل والخمول
فلا يتقنون الأعمال ولا يحسنون المعاملة متذرعين بالصيام .
والجمع بين الصيام
والإطعام من أسباب دخول الجنة كما قال صلى الله عليه وسلم : "
إن في
الجنة غرفا يُرى ظاهرها من باطنها ، وباطنها من ظاهرها ، أعدها الله
تعالى لمن أطعم الطعام ، وألان الكلام ، وتابع الصيام ، وصلى بالليل
والناس نيام " رواه أحمد 5/343 وابن خزيمة رقم 2137 وقال الألباني في
تعليقه : إسناده حسن لغيره
، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : " من فطّر صائما كان له مثل أجره ،
غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيء . "
رواه الترمذي 3/171 وهو في صحيح الترغيب 1/451
قال شيخ الإسلام رحمه الله : والمراد بتفطيره أن يُشبعه .
الاختيارات الفقهية ص : 109
وقد آثر عدد من السلف ـ
رحمهم الله ـ الفقراءَ على أنفسهم بطعام إفطارهم ، منهم : عبد الله بن
عمر ، ومالك بن دينار ، وأحمد بن حنبل وغيرهم . وكان عبد الله بن عمر
لا يفطر إلا مع اليتامى والمساكين .
ومما ينبغي فعله في
الشهر العظيم
* تهيئة الأجواء والنفوس
للعبادة ، والإسراع إلى التوبة والإنابة ، والفرح بدخول الشهر |